أبو نصر الفارابي
88
كتاب السياسة المدنية
ثانيا « 1 » . فالرئيس الثاني هو الذي يرأسه إنسان ويرأس هو إنسانا آخر . وقد تكون هاتان الرئاستان في جنس ما مثل الفلاحة مثلا والتجارة والطب وقد يكون ذلك بالإضافة إلى جميع الأجناس الإنسانية . الرئيس الأول فالرئيس الأول على الإطلاق هو الذي لا يحتاج ولا في شيء أصلا أن يرأسه إنسان بل يكون قد حصلت له العلوم والمعارف بالفعل ولا تكون له به حاجة في شيء إلى إنسان يرشده ، وتكون له قدرة على جودة إدراك شيء شيء مما ينبغي أن يعمل من الجزئيات وقوة على جودة الإرشاد لكل من سواه إلى كل ما يعلّمه وقدرة على استعمال كل من سبيله أن يعمل شيئا ما في ذلك العمل الذي هو معدّ نحوه وقدرة على تقدير الأعمال وتحديدها وتسديدها نحو السعادة . وإنما يكون ذلك في أهل الطبائع العظيمة الفائقة إذا اتصلت نفسه بالعقل الفعال . وإنما يبلغ ذلك بأن يحصل له أولا العقل المنفعل ثم أن يحصل له بعد ذلك العقل الذي يسمى المستفاد . فبحصول المستفاد يكون الاتصال بالعقل الفعال على ما ذكر في كتاب النفس « 2 » .
--> ( 1 ) لا يعني الرئيس هنا الملك أو الإمام أو الحاكم بل كل معلم أو مرشد أو مدبر في أي عمل أو مهنة . ( 2 ) يقصد بكتاب النفس كتاب أرسطو الذي يحمل هذا العنوان . وأهم شرط يفترضه الفارابي في الرئيس هو الحكمة ويكون الإنسان حكيما إذا كمل عقله بأن غدا عقلا بالفعل فعقلا مستفادا أي حاصلا على جميع العلوم ، وإذا اتصل بالعقل الفعال .